أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
662
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
قال الشيخ « 1 » : « وكان قدّم في شرح المسّ أنه الجنون ، وهذا الذي ذهب إليه في تعلّق « من المس » بقوله « لا يقومون » ضعيف لوجهين : أحدهما : أنه قد شرح المسّ بالجنون ، وكان قد شرح أنّ قيامهم لا يكون إلا في الآخرة وهناك ليس بهم جنون ولا مسّ ، ويبعد أن يكنى بالمسّ الذي هو الجنون عن أكل الربا في الدنيا ، فيكون المعنى : لا يقومون يوم القيامة أو من قبورهم من أجل أكل الرّبا إلا كما يقوم الذي يتخبّطه الشيطان ، إذ لو أريد هذا المعنى لكان التصريح به أولى من الكناية عنه بلفظ المسّ ، إذ التصريح به أبلغ في الزجر والردع . والوجه الثاني : أنّ ما بعد . « إلّا » لا يتعلّق بما قبلها إلا إن كان في حيّز الاستثناء ، وهذا ليس في حيّز الاستثناء ، ولذلك منعوا أن يتعلّق بِالْبَيِّناتِ وَالزُّبُرِ « 2 » بقوله : « وما أرسلنا قبلك إلا رجالا » وأنّ التقدير : وما أرسلنا بالبينات والزبر إلا رجالا » . قلت : أمّا تضعيفه المعنى فليس بجيد ، بل الكناية في لسانهم أبلغ وهذا ممّا لا يختلف فيه . وأمّا الوجه الثاني فإنه يغتفر في الجارّ والظرف ما لا يغتفر في غيره ، وشواهده كثيرة . والمسّ عبّر به عن الجنون في لسانهم ، قالوا : مسّ فهو ممسوس ، مثل : جنّ فهو مجنون ، وأنشد أبو بكر : 1103 - أعلّل نفسي بما لا يكون * كذي المسّ جنّ ولم يخنق « 3 » وأصله أنّهم يقولون : إنّ الشيطان يمسّ الإنسان بيده ويركضه برجله ، ويعبّر بالجنون عن النشاط والسرعة وخفة الحركة ، لذلك قال الأعشى يصف ناقته : 1104 - وتصبح عن غبّ السّرى وكأنّما * ألمّ بها من طائف الجنّ أولق « 4 » وقال آخر : 1105 - بخيل عليها جنّة عبقريّة « 5 » * . . . قوله : ذلِكَ بِأَنَّهُمْ مبتدأ وخبر ، أي : ذلك التخبّط ، أو ذلك القيام بسبب افترائهم هذا القول . وقيل : « ذلك » خبر مبتدإ مضمر تقديره : قيامهم ذلك . قال الشيخ : « إلا أنّ في هذا الوجه فصلا بين المصدر ومتعلّقه الذي هو « بأنهم » ، على أنه لا يبعد جواز ذلك لحذف المصدر ، فلم يظهر قبح بالفصل بالخبر » . وقد جعلوا الربا أصلا والبيع فرعا حتى شبّهوه به ، قال الزمخشري : « فإن قلت : هلّا قيل : إنما الربا مثل البيع ، لأنّ الكلام في الربا لا في البيع . قلت : جيء به على طريقة المبالغة ، وهو أنهم قد بلغ من اعتقادهم في حلّ الربا أنهم جعلوه أصلا وقانونا في الحلّ ، حتى شبّهوا به البيع » . قلت : وهو باب في البلاغة مشهور ، وهو أعلى رتب التشبيه ، ومنه قوله :
--> ( 1 ) انظر البحر المحيط ( 1 / 334 ) . ( 2 ) سورة النحل ، آية ( 44 ) . ( 3 ) البيت من شواهد البحر ( 2 / 334 ) . ( 4 ) انظر ديوانه ( 221 ) . ( 5 ) صدر بيت لزهير وعجزه : . . . * جديرون يوما أن ينالو فيستعلوا انظر ديوانه ( 103 ) .